انتــــحار مـــــؤجل
(قصة قصيرة ... د. محمد محمود مقبل)
::::::::::::::::::
امتص النفس الأخير من سيجارته بعمق و حبس الدخان فى قفصه الصدري حتى أحس كأنه يحترق ثم أخرجه و هو يراقب التكوينات الدخانية بعينين خاليتين من الحياة ثم ألقى بعقب السيجارة في مياه النيل و وقف يراقب المياه في صمت ، لم تكن ملامحه الهادئة تنبئ بشئ عن كل تلك الأعاصير التي تدور بداخله و لكنك يمكنك من رؤية ملابسه المتهدلة و شعيرات ذقنه النامية في إهمال و شعر رأسه الذي لم يهتم بترتيبه أن تدرك أنه هناك شيئا ما ليس على ما يرام في حياة ذلك الشخص ، نظر للمياه تلك النظرة الميتة ثم ابتسم و اتسعت ابتسامته و اتسعت و يداه تقبضان على السور و يهم بإلقاء نفسه فى المياه ثم تيبست قبضته و هو يعقد حاجبيه كأنما خطر على باله فكرة ما فارتخت بعدها قبضته ثم ابتعد عن السور و سار بعيدا حتى ابتلعه الظلام.
.................
"قررت أن أحتفل بعيد ميلادي هذا العام احتفالا غير عادى ، احتفالا يليق بحياة فاشلة كحياتي ، أستعرض ما سبق فأتأكد أنه لم يعد لدى ما هو آت ، و لذلك قررت أن يكون عيد ميلادي هذا العام هو الأخير ، نعم هذا هو الغير عادى هذه المرة ، أن تكون الأخيرة ، سأحتفل و جسدي يرقد في مياه النيل ربما تغسلنى مما أصابني. "
كتبها على "الستاتس" الخاصة به على الفاسبوك و هو يدخن سيجارته و الدخان يلفه فى حجرته المظلمة التي يجلس بها بينما أعقاب السجائر و العلب الفارغة تملأ المكان و تعبئ الحجرة برائحة قاتلة ، بعدها نزل على حائط صفحته تتابع عينيه الأخبار المختلفة التى يبدو أنها لا تتعدى نافذة عينيه و لا تصل أبدا إلى المراكز العليا فى المخ ثم بدأت عينيه تضيق و هو يقرأ عن المظاهرات المختلفة التى تملأ البلد ثم هز رأسه فى عدم اكتراث ، أشعل سيجارة أخرى ثم نظر إلى تاريخ اليوم على سطح جهاز الكمبيوتر ثم ضغطت أصابعه أحرف الكيبورد ليكتب كومنت على نفس الستاتس السابقة
" سوف يكون عيد ميلادى الأخير يوم 28- 1-2011 "
...................
" أنا فجأة وجدتني أسير معكم " قالها و هو يضحك و يقهقه " آه و الله أنا كنت فى طريقى لأنتحر ، معك سيجارة ؟ " قالها و هو يجلس على أرضية الميدان التى افترشها مع الآخرين ، التقط السيجارة من محدثه و أشعلها و أخذ منها نفسا ثم بدا و كأنه يحدث نفسه أكثر مما يتحدث إليهم " فجأة وجدتني وسطكم ، فى البداية كنت صامتا حتى وجدتنى أردد الهتاف الوحيد الذى أحسست به ، الشعب يريد اسقاط النظام ، الشعب يريد اسقاط النظام " ، ثم التفت إلى المجموعة حوله " لكن هل تتخيلوا أنه هناك فائدة ؟" ، نظر إلى ابتسامة الشاب الذي يجلس بجانبه وهو يهز كتفيه فابتسم هو الآخر و هو يهز رأسه كأنما يقنع نفسه يقول " هناك فائدة ، صح ؟ "
..................
" نجحنااااا ... و ابن ال..... تنحى خلاص " هتف بها فى صوت هادر و السعادة تملأ وجهه ثم احتضن صديقه الجالس بجانبه و الميدان يتحول الى لوحة نادرة تحمل معاني لا يمكن وصفها ، نظر الى رفاق الميدان و هو يردد " أنا لا أصدق نفسى ، تخيلوا أنا كنت سأنتحر ، أنا ؟" ، سأله أحدهم " و الآن ؟ " ، ضحك و هو يضرب بقبضته صدر محدثه " أنت عبيط ؟ ، أنتحر ؟ البلد رجعت بلدنا ، و بالتأكيد سأجد لى حياة فيها " ثم نظر للجميع حوله و هو يهتف " الجميع مدعو هنا يوم 28-1-2012 للاحتفال بعيد ميلادى السنة القادمة بإذن الله"
.....................
" كنت أعتقد أنني ألغيت قرار انتحاري إلى الأبد بعد نجاحنا في استرداد بلدنا – هكذا تصورت – و لكن الآن و بعد أن رأيت أن كل ما فعلناه أننا أطحنا بابن ال..... ليأتي مكانه ولاد ال....... ، بينما أنا و غيري عدنا إلى قواعدنا غير سالمين لذا قررت أن يكون انتحاري فقط مؤجلا لعيد ميلادي القادم إن لم تلحقوني بثورة أخرى "
كتبها على حائطه على الفاسبوك و هو يطلق دخان سيجارته ليحيط بوجهه في حلقات خانقة في ظلمة حجرته التى لا تنتهي
___________________________
تمت القاهرة 10-11-2011
د. محمد محمود مقبل
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق